الشيخ محمد النهاوندي

337

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

اصْطَفى واستخلص لَكُمُ الدِّينَ المرضيّ له ، وصفوة الأديان الذي اختاره الملائكة والخلّصون من عباده ، بأن نصب الدلائل الظاهرة عليه ، ودعاكم إليه . ثمّ عيّن ذلك الدّين صريحا ، وأكّد في وجوب الالتزام به بقوله : فَلا تَمُوتُنَّ في حال من الأحوال إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ للّه ، موحّدون له . والمعنى : لا تفارقوا دين الإسلام في آن ، كي لا يبادركم الموت وأنتم على غيره فيدرككم غاية الخسران . قيل : في هذه الحكاية دلالة قويّة على أنّ الالتزام بدين الإسلام أهمّ الأمور ، حيث أمر إبراهيم عليه السّلام بعنوان الوصيّة ، وهو آكد من الأمر ، وخصّ بها بنيه الّذين كان أشفق عليهم من جميع الخلق ، وما مزج بهذه الوصيّة وصية أخرى ، وعبّر عن حقّانيّته بأنّ اللّه اصطفاه لكم ، وعمّهم بتلك الوصيّة ، وما قيّدها بزمان دون زمان وحال دون حال ، وزجرهم عن أن يموتوا غير مسلمين « 1 » . ثمّ لمّا كان عليه السّلام مشهورا بالفضل والعقل والصّلاح وحسن الطّريقة ومتانة السّيرة ، ومع ذلك اهتمّ بلزوم هذا الدّين نهاية الاهتمام ، عرف أنّه أولى الأمور وأحقّها به . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 133 ] أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 ) ثمّ أنّه تعالى بعد بيان وصيّة إبراهيم ويعقوب عليهما السّلام ، بيّن أنّ يعقوب عليه السّلام ما اكتفى بالوصيّة ، بل أخذ من أولاده الإقرار والعهد على الالتزام به بقوله : أَمْ كُنْتُمْ قيل : إنّ المراد بل أكنتم أيّها اليهود الحاضرون ، أو معاشر المسلمين شُهَداءَ حضّارا إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ وحين احتضر وقرب وفاته ؟ ! والاستفهام على الإنكار ، والمعنى - واللّه العالم - ما كنتم حاضرين عند يعقوب حين حضرته الوفاة ، بل إن علمتم به فبالوحي . إِذْ قالَ حينئذ شفقة لِبَنِيهِ وهم كانوا اثني عشر : ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي وأيّ شيء تتّخذونه إلها بعد مفارقتي إيّاكم بالموت ؟ قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ قيل : عدّ إسماعيل في الآباء لأنّ العمّ صنو الأب ، وبمنزلته في التّعظيم « 2 » .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 4 : 72 . ( 2 ) . تفسير الصافي 1 : 174 .